نموذج العوامل الخمسة الكبرى: نموذج الشخصية الذي يستخدمه الباحثون فعلًا

Personality

معظم اختبارات الشخصية المنتشرة لا سند بحثي لها. نموذج العوامل الخمسة الكبرى استثناء: كيف استُخرج من اللغة نفسها، وماذا يتنبأ به فعلًا، وما لا يستطيع أن يقوله عنك.

إذا أخذت عشرة اختبارات شخصية على الإنترنت، فستحصل على عشر لغات مختلفة لوصف نفسك: أنماط حيوانية، وألوان، وأربعة أمزجة، وستة عشر نمطًا بأربعة أحرف. ولا واحد منها هو ما يستخدمه الباحثون.

ما يستخدمونه هو نموذج واحد اسمه العوامل الخمسة الكبرى (Big Five). وهو ليس أحدث النماذج ولا أكثرها جاذبية، لكنه الأكثر صمودًا أمام الاختبار — وهذا الفرق هو موضوع هذا المقال.

من أين جاءت الخمسة؟

لم يجلس أحد ويقرّر أن الشخصية خمسة أبعاد. بل جاء الرقم من اللغة.

في منتصف القرن العشرين انطلق باحثون من فرضية بسيطة: إذا كان فرق ما بين الناس مهمًا بالفعل، فستكون اللغة قد صنعت له كلمة. فجمعوا آلاف الصفات التي تصف البشر من المعجم، وطلبوا من أعداد كبيرة أن يصنّفوا أنفسهم عليها، ثم طبّقوا التحليل العامِلي — وهو أسلوب إحصائي يبحث عن الصفات التي تتحرك معًا.

والنتيجة أن الصفات تجمّعت في خمس حزم. فمن يصف نفسه بأنه منظّم يصف نفسه عادةً بأنه منضبط ودقيق ويُعتمد عليه؛ ومن يصف نفسه بأنه قلق يصف نفسه بأنه متوتر ومتشائم وسريع الانفعال. وقد تكرّر هذا التجمّع الخماسي في دراسات مستقلة، وفي لغات وثقافات مختلفة، وعبر أدوات قياس متعددة — وهو ما وثّقه Goldberg (1990) ثم McCrae و Costa (1987) حين وجدا أن تقييم الشخص لنفسه يتوافق مع تقييم من يعرفونه له على العوامل الخمسة نفسها.

وهذه النقطة الأخيرة مهمة: النموذج لم يُفرض على البيانات، بل ظهر منها.

العوامل الخمسة، ومعنى كل منها

الاختصار الشائع لها هو OCEAN بالإنجليزية. وكل عامل بُعد متصل لا خانة: الناس يتوزّعون عليه كتوزيع الطول، ومعظمهم في الوسط.

  • الانفتاح على الخبرة (Openness).* الميل إلى التجريب والأفكار المجردة والفن والتنوع. المرتفعون فيه فضوليون ويضيقون بالروتين؛ والمنخفضون عمليون ويفضّلون المألوف والمجرَّب.
  • يقظة الضمير (Conscientiousness).* التنظيم، والالتزام، وتأجيل المتعة، ومتابعة ما بدأته إلى نهايته. وهذا العامل هو الأهم عمليًا، كما سيأتي.
  • الانبساط (Extraversion).* مقدار ما تستمدّه من الطاقة من التفاعل الاجتماعي والإثارة الخارجية. وانخفاضه ليس خجلًا ولا قلقًا اجتماعيًا — هذان شيئان مختلفان يقعان في عامل آخر.
  • الوداعة (Agreeableness).* التعاون، والثقة بالآخرين، والتعاطف، وتفضيل الانسجام. والمنخفضون فيها أكثر تشككًا وتنافسية وأقل تردّدًا في المواجهة.
  • العصابية (Neuroticism).* حساسية الجهاز الانفعالي: مقدار ما تتأثر به من الضغوط، وسرعة وصول القلق والانزعاج. وانخفاضها يُسمّى الاستقرار الانفعالي.

ما يتنبأ به النموذج فعلًا

هذه هي الفقرة التي تفصل بين نموذج علمي ونموذج تسويقي: أن يُقال ما يتنبأ به وما لا يتنبأ به، بالأرقام.

  • في العمل.* وجد تحليل بعدي شهير لـ Barrick و Mount (1991) أن يقظة الضمير تتنبأ بالأداء الوظيفي في كل الفئات المهنية التي فحصوها، وأنها العامل الوحيد الذي يفعل ذلك. أما الانبساط فيتنبأ بالأداء في الأدوار التي يقوم جوهرها على التأثير في الناس — المبيعات والإدارة — ولا يتنبأ به في غيرها.
  • في الحياة.* راجع Roberts وزملاؤه (2007) القدرة التنبؤية للسمات مقابل الوضع الاجتماعي والاقتصادي والقدرة المعرفية، على ثلاث نتائج: طول العمر، والطلاق، والنجاح المهني. ووجدوا أن السمات — خاصة يقظة الضمير — تنافس هذين العاملين وتتجاوزهما في بعض النتائج. وهذه نتيجة لافتة: سمة تُقاس باستبيان قصير تخبرك عن احتمال طلاقك أكثر مما يخبرك دخل أسرتك.
  • وحجم الأثر متوسط لا حتمي.* وهذا هو التحفّظ الذي يسقط عادةً في العرض الشعبي. الارتباطات هنا تقع في نطاق يفسّر جزءًا من التفاوت بين الناس لا كله. فمعرفة سمات شخص تحسّن تقديرك لسلوكه على المدى الطويل، ولا تمكّنك من التنبؤ بما سيفعله غدًا.

ثلاثة أشياء يخطئ الناس فيها

  • أولًا: ليست أنماطًا.* لا يوجد "شخص انبساطي" و"شخص انطوائي"؛ يوجد موقع على بُعد متصل. وتقسيم بُعد متصل إلى فئتين عند نقطة المنتصف يفقد المعلومة ويضخّم الفرق بين شخصين يفصل بينهما سؤال واحد.
  • ثانيًا: ليست ثابتة.* وجد Roberts وزملاؤه (2006) في تحليل بعدي لدراسات طويلة المدى أن متوسطات السمات تتغير بانتظام مع العمر: ترتفع يقظة الضمير والوداعة، وتنخفض العصابية، وأكثر التغيّر في العشرينيات والثلاثينيات. فالشخصية مستقرة نسبيًا خلال سنة، ومتغيرة خلال عشرين.
  • ثالثًا: ليست وصفًا كاملًا. الخمسة أبعاد وصفية، تقول كم لديك من كل سمة ولا تقول لماذا*. ولا تتناول قيمك، ولا مهاراتك، ولا ما مررت به، ولا ما تريده من حياتك — وهذه كلها تحدّد سلوكك بقدر لا يقلّ.

كيف تقارن اختبارًا بهذا المقياس؟

النموذج يصبح مفيدًا لك عمليًا حين تستخدمه معيارًا تحكم به على ما يُعرض عليك. وثلاثة أسئلة تكفي:

  • هل يقيس بدرجات أم يضعك في خانة؟ الدرجات أقرب إلى الواقع.
  • هل يذكر ثباته؟ أي إن أعدته بعد شهر، هل تتوقع النتيجة نفسها؟ الاختبار الذي لا يعرف جوابه لا يقيس سمة.
  • هل يذكر ما لا يستطيع قوله؟ الأداة الجدّية تحدّ من نفسها.

وبهذا المعيار، فإن مؤشر مايرز-بريجز (MBTI) — الأشهر بين اختبارات الشخصية في بيئات العمل — يتعثّر. فقد راجع Pittenger (2005) أدلته وخلص إلى أن نسبة معتبرة من الأشخاص يحصلون على نمط مختلف عند إعادة الاختبار بعد أسابيع، وأن الأبعاد الأربعة ليست مستقلة كما يُفترض، وأن الأدلة على تنبؤه بالأداء الوظيفي ضعيفة. والمشكلة البنيوية أنه يفرض حدًّا قاطعًا على بُعد متصل: من يقع قرب المنتصف يُدفع إلى أحد الطرفين، فيبدو الفرق بينه وبين جاره كاملًا وهو سؤال واحد.

وينطبق المعيار نفسه، وبصراحة، على كثير من الاختبارات المنتشرة — ومنها بعض ما تجده على هذا الموقع. فاختبارات الألوان والأنماط الحيوانية ولغات الحب أدوات عرض شائعة لا مقاييس نفسية معتمدة، ونقول ذلك في صفحات نتائجها نفسها. وقيمتها أنها تفتح بابًا للتفكير في نفسك، لا أنها تقيسها.

إن أردت نتيجة ذات معنى

مجموعة بنود العوامل الخمسة المعروفة باسم IPIP متاحة للعامة بلا مقابل، وبُنيت تحديدًا لتكون بديلًا مفتوحًا للاستبيانات التجارية، وتجدها على موقع IPIP. وهناك كذلك BFI-2 الذي طوّره Soto و John (2017) وهو من أكثر النسخ المختصرة استخدامًا في البحث.

وأيًّا كان ما تستخدمه، فالفائدة لا تأتي من الدرجة بل من السؤال الذي تثيره. أن تعرف أن يقظة ضميرك منخفضة لا يغيّر شيئًا؛ أن تعرف أن هذا هو السبب في أن الأنظمة الخارجية — المواعيد، والتذكيرات، والشريك الذي يسألك عن التقدّم — تنفعك أكثر من الاعتماد على العزيمة، يغيّر شيئًا.

وللاستزادة عن كيفية تكوّن السمات أصلًا، بين الوراثة والبيئة، راجع مقالنا: كيف تتكون الشخصية؟

المصادر

تنبيه: اختبارات ومقالات المعرفة مخصّصة للترفيه والتأمل الذاتي، وهي ليست تشخيصًا نفسيًا أو طبيًا ولا تُغني عن استشارة مختص.