أنماط التعلق في العلاقات: ما يقوله البحث فعلًا عن الآمن والقلق والمتجنب
Psychology
فكرة أنماط التعلق انتشرت أكثر مما انتشر البحث خلفها. من أين جاءت، وما الدليل على ارتباطها بعلاقات الكبار، ولماذا يرفض الباحثون تقسيم الناس إلى أربع خانات.
"نمطي قلق وهو متجنّب" صارت عبارة شائعة. والمشكلة أن ما تحمله من دقة أقل مما يبدو: ففكرة أنماط التعلق لها سند بحثي حقيقي، لكن الصورة التي انتشرت منها — أربع خانات يُوضع الناس فيها — ليست هي ما وجده البحث.
من أين بدأت الفكرة؟
بدأت مع الأطفال لا مع العشاق.
في ستينيات القرن العشرين طرح الطبيب النفسي البريطاني جون بولبي في Attachment and Loss أن حاجة الطفل إلى القرب من شخص يرعاه ليست سلوكًا متعلّمًا للحصول على الطعام، بل نظام سلوكي قائم بذاته تطوّر لأنه يحفظ الحياة. وأن الطفل يبني من تجربته المتكررة مع من يرعاه نموذجًا داخليًا: هل يُستجاب لي عندما أحتاج؟
ثم جاءت ماري أينسوورث بالدليل التجريبي. في إجراء صار اسمه "الموقف الغريب"، ووصفته في Patterns of Attachment (1978)، كانت تُلاحظ أطفالًا في نحو عامهم الأول وهم يُفصلون عن أمهاتهم في غرفة ثم يُعاد لقاؤهم. ولم يكن المهم هو مقدار البكاء عند الفصل، بل ما يفعله الطفل عند العودة — وهنا ظهرت أنماط متمايزة: من يبحث عن القرب فيهدأ ويعود للعب؛ ومن يصعب تهدئته ويبقى متعلّقًا منزعجًا؛ ومن يتجاهل عودتها ويتابع لعبه مع أن مؤشرات توتره الجسدية مرتفعة.
كيف انتقلت إلى علاقات الكبار؟
الخطوة الحاسمة جاءت من Hazan و Shaver (1987)، إذ طرحا أن الحب الرومانسي عند الكبار يعمل كنظام تعلق هو الآخر: الشريك يصبح هو الشخص الذي يُلتمس عنده الأمان عند الضيق.
ونشرا استبيانًا قصيرًا في صحيفة، ووجدا أن توزّع الإجابات على ثلاثة أوصاف شبيه بتوزّع الأطفال في دراسات أينسوورث. وكانت هذه الورقة نقطة انطلاق مجال كامل، وعليها بُني أغلب ما تقرأه اليوم عن التعلق.
لكن القياس تطوّر بعدها كثيرًا، وهذا هو الجزء الذي يسقط عادةً من العرض الشعبي.
البحث لا يرى أربع خانات، بل بُعدين
عندما طبّق الباحثون التحليل الإحصائي على استبيانات التعلق، لم يجدوا فئات منفصلة. وجدوا بُعدين متصلين، كما وضّح Brennan وزملاؤه (1998) ثم طوّره Fraley وزملاؤه (2000) في استبيان ECR وصيغته المنقّحة:
- قلق التعلق — مقدار انشغالك بأن تُترَك أو بأن محبّة الطرف الآخر لك أقل من محبتك له.
- تجنّب التعلق — مقدار انزعاجك من القرب والاعتماد، وميلك إلى الاستقلال العاطفي.
والأنماط الأربعة الشائعة ليست أكثر من أرباع هذا المستوى ذي البعدين: منخفض في الاثنين = "آمن"؛ مرتفع القلق منخفض التجنّب = "قلق"؛ منخفض القلق مرتفع التجنّب = "متجنّب"؛ مرتفع في الاثنين = "خائف" أو "مضطرب".
وأثر هذا الفرق عملي لا نظري. فحين تختبر البيانات مباشرةً عما إذا كان التعلق فئويًا أم متصلًا — كما فعل Fraley و Waller (1998) — تشير النتيجة إلى أنه متصل. ومعناه أن من يقع قريبًا من حدّ القسمة يُصنّف بشكل مختلف تمامًا لفرق ضئيل في درجته، وأن عبارة "أنا متجنّب" تحوّل درجة على مقياس إلى هوية لا تحمل تلك الدقة.
ماذا يرتبط به كل بُعد؟
- القلق المرتفع* يرتبط بطلب طمأنة متكرّر، وحساسية مرتفعة لعلامات الرفض، وتصاعد في الخلاف بدل انسحاب، وتفسير الغموض — رسالة لم تُجَب، نبرة باردة — في الاتجاه الأسوأ.
- التجنّب المرتفع* يرتبط بالتحفّظ في الإفصاح عن المشاعر، والانسحاب أثناء الخلاف، وتفضيل حلّ الأمور وحدك، وعدم الارتياح للاعتماد على أحد — وأيضًا عدم الارتياح لأن يعتمد عليك أحد.
- وانخفاض الاثنين* يرتبط بما يُسمّى الأمان: القدرة على طلب الدعم عند الحاجة وتقديمه، وعلى تحمّل الخلاف دون أن يتحوّل إلى تهديد للعلاقة.
وراجع Mikulincer و Shaver (2007) أدلة هذا المجال في مرجع مطوّل، وهو أوسع ما كُتب عن الموضوع.
وهنا يلزم تحفّظ: أغلب هذه الارتباطات متوسطة الحجم، ومستخرجة من استبيانات يملؤها الناس عن أنفسهم. أي أنها تصف أنماطًا في المتوسط، لا تتنبأ بما سيفعله شخص بعينه في خلاف بعينه.
هل النمط قابل للتغيير؟
هذا أهم سؤال عملي، وجوابه نعم — بشرط.
فحص Fraley (2002) في تحليل بعدي مدى استقرار التعلق من الطفولة إلى الرشد، ووجد ارتباطًا حقيقيًا لكنه متوسط القوة. ومعنى ذلك أمران معًا: أن أثر التجربة المبكرة لا يُمحى، وأن كثيرًا من الناس يتغيّرون فعلًا.
وما يرتبط بالتغيّر نحو الأمان هو في المقام الأول علاقة مستقرة وطويلة مع شخص متجاوب — أي تجربة متكرّرة تناقض التوقّع القديم. والعلاج النفسي كذلك، خصوصًا ما يستهدف العلاقات وأنماط التفاعل.
وما لا يُحدث التغيّر: معرفة اسم نمطك. وهذا يستحق قوله بصراحة، لأن استخدام المصطلح كتفسير نهائي — "أنا متجنّب، هكذا أنا" — يحوّل وصفًا إلى إعفاء من المحاولة، وهو عكس ما يقوله البحث.
ما يمكن فعله بهذا عمليًا
- إن كان قلقك مرتفعًا:* الهدف ليس أن تتوقف عن الحاجة إلى الطمأنة، بل أن تفصل بين الشعور والسلوك. فحين يصلك انطباع بالرفض، اذكره بوضوح بدل أن تختبره — "شعرت بمسافة بيننا اليوم" أوضح وأقلّ كلفة من سلسلة رسائل تبحث عن إشارة.
- إن كان تجنّبك مرتفعًا:* أصعب خطوة وأكثرها أثرًا هي البقاء في المحادثة الصعبة عشر دقائق إضافية بعد اللحظة التي تريد فيها إنهاءها. وإن احتجت الانسحاب فعلًا، فقل متى تعود — فالانسحاب الصامت هو ما يرفع قلق الطرف الآخر، لا الانسحاب نفسه.
- وإن كنتما في النمط الأكثر شيوعًا* — واحد يطارد وآخر ينسحب — فالحلقة نفسها هي المشكلة لا أيّ منكما. فطلب القرب يُقرأ ضغطًا فيزيد الانسحاب، والانسحاب يُقرأ رفضًا فيزيد الطلب. وكسرها يحتاج أن يتحرك الطرفان في اتجاه غير بديهي لكل منهما في الوقت نفسه.
وللتفريق بين التعلق والحب والإعجاب — وهي أمور تُخلط كثيرًا — راجع مقالنا: الفرق بين الحب والتعلق والإعجاب
المصادر
- Bowlby, J. (1969). Attachment and Loss, Vol. 1: Attachment. Basic Books.
- Ainsworth, M. D. S., Blehar, M. C., Waters, E., & Wall, S. (1978). Patterns of Attachment: A Psychological Study of the Strange Situation. Erlbaum.
- Hazan, C., & Shaver, P. (1987). Romantic love conceptualized as an attachment process. Journal of Personality and Social Psychology, 52(3), 511–524.
- Brennan, K. A., Clark, C. L., & Shaver, P. R. (1998). Self-report measurement of adult attachment: An integrative overview. In Attachment Theory and Close Relationships. Guilford.
- Fraley, R. C., Waller, N. G., & Brennan, K. A. (2000). An item response theory analysis of self-report measures of adult attachment. Journal of Personality and Social Psychology, 78(2), 350–365.
- Fraley, R. C., & Waller, N. G. (1998). Adult attachment patterns: A test of the typological model. In Attachment Theory and Close Relationships. Guilford.
- Fraley, R. C. (2002). Attachment stability from infancy to adulthood: Meta-analysis and dynamic modeling of developmental mechanisms. Personality and Social Psychology Review, 6(2), 123–151.
- Mikulincer, M., & Shaver, P. R. (2007). Attachment in Adulthood: Structure, Dynamics, and Change. Guilford Press.
تنبيه: اختبارات ومقالات المعرفة مخصّصة للترفيه والتأمل الذاتي، وهي ليست تشخيصًا نفسيًا أو طبيًا ولا تُغني عن استشارة مختص.