الذكاء العاطفي: ما يثبته البحث وما لا يثبته
Psychology
قيل إن الذكاء العاطفي يفسّر 80% من النجاح. الرقم لا أصل له. ما الذي وجدته التحليلات البعدية فعلًا، ولماذا يختلف الباحثون على المفهوم نفسه.
صار "الذكاء العاطفي" من أكثر المصطلحات حضورًا في الحديث عن العمل والعلاقات. وصار معه رقم يتردّد: إنه يفسّر 80% من النجاح، بينما لا يفسّر الذكاء المعرفي إلا 20%.
هذا الرقم لا أصل له في أي دراسة منشورة. وهذا المقال عن المسافة بين ما قاله البحث وما وصل إلى الناس.
المفهوم كما طُرح أولًا
ظهر المصطلح بصيغته الأكاديمية في ورقة لـ Salovey و Mayer (1990)، وعرّفاه تعريفًا ضيقًا ومحدّدًا: القدرة على إدراك الانفعالات، وفهمها، واستخدامها في التفكير، وتنظيمها.
لاحظ أن هذا تعريف لـ قدرة — أي شيء يمكن أن تكون فيه أفضل أو أسوأ، ويُقاس بمسائل لها إجابات أصحّ من غيرها، مثل اختبار الذكاء.
ثم جاء كتاب دانيال جولمان عام 1995 فنقل المصطلح إلى الجمهور الواسع، ووسّعه في الطريق: صار يضمّ الدافعية، والمثابرة، والتعاطف، ومهارات التعامل مع الناس، والتفاؤل. وهذا التوسيع هو مصدر أغلب الالتباس الذي تبعه، لأنه خلط قدرة بسمات شخصية.
قياسان مختلفان يحملان الاسم نفسه
وجود تعريفين أنتج أدوات قياس من نوعين مختلفين تمامًا، وهذا هو جوهر المسألة.
- اختبارات القدرة. أشهرها MSCEIT*، ويعمل كاختبار معرفي: يُعرض عليك وجه وتُسأل عن الانفعال الظاهر فيه، أو موقف وتُسأل عن أنجع طريقة للتعامل معه. والتصحيح يعتمد على إجماع عيّنة كبيرة أو على حكم خبراء.
- استبيانات التقرير الذاتي.* تسألك أنت عن نفسك: "أفهم مشاعر الآخرين بسهولة" — موافق أو غير موافق. وهذه هي الصيغة الأكثر انتشارًا، وهي كل ما تجده تقريبًا في الاختبارات المجانية على الإنترنت.
والنوعان لا يرتبطان ببعضهما ارتباطًا قويًا. أي أن من يحصل على درجة مرتفعة في أحدهما لا يحصل بالضرورة على مثلها في الآخر — وهذه مشكلة جدّية لمفهوم يُفترض أنه شيء واحد.
ماذا وجدت التحليلات البعدية؟
هنا تصبح الصورة أوضح، وأقل إثارة مما يُقال.
جمع Joseph و Newman (2010) الدراسات المتاحة في تحليل بعدي، وفحصوا علاقة الذكاء العاطفي بالأداء الوظيفي. وكانت النتيجة في طرفين:
- اختبارات القدرة أظهرت ارتباطًا ضعيفًا بالأداء، وضعيفًا جدًا بعد ضبط الذكاء المعرفي وسمات الشخصية.
- استبيانات التقرير الذاتي أظهرت ارتباطًا أقوى — لكن التحليل نفسه وجد أن جزءًا كبيرًا من هذا الارتباط يختفي عند ضبط العوامل الخمسة والذكاء المعرفي. أي أنها تقيس في أغلبها ما تقيسه أدوات موجودة من قبل.
ووجد O'Boyle وزملاؤه (2011) في تحليل بعدي آخر إضافةً تنبؤية بسيطة فوق الشخصية والذكاء — موجودة لكنها صغيرة.
ونتيجة مهمة أخرى في Joseph و Newman: الأثر يعتمد على نوع الوظيفة. فالارتباط أقوى في الأعمال التي تتطلب عملًا انفعاليًا — خدمة العملاء، والتمريض، والتعليم، والبيع — وضعيف أو منعدم في الأعمال التقنية التي لا يقوم جوهرها على التعامل مع الناس. وهذا منطقي، لكنه أبعد ما يكون عن "80% من النجاح".
النقد الجذري
ذهب بعض الباحثين أبعد من ذلك. فقد نشر Locke (2005) ورقة بعنوان "لماذا الذكاء العاطفي مفهوم غير صالح"، وحجّته أن المفهوم توسّع حتى فقد معناه: إذا كان يضمّ الدافعية والمثابرة والتعاطف ومهارات التواصل، فهو ليس نوعًا من الذكاء بل سلّة تجمع كل ما هو مرغوب في الإنسان. وما يصف كل شيء لا يقيس شيئًا.
وهذا نقد وجيه بنيويًا، وإن كان لا ينفي أن المهارات المحدّدة داخل السلّة حقيقية وقابلة للقياس كلٌّ على حدة.
ما يبقى صحيحًا ونافعًا
إذا طرحنا العنوان الكبير ونظرنا إلى المكوّنات، فثمة أشياء راسخة:
- تسمية الانفعال تخفّض حدّته.* وهذا من أكثر النتائج تكرارًا في بحوث تنظيم الانفعال، وهو أرخص تدخّل متاح: أن تقول "أنا منزعج لأن..." بدل أن تتصرّف من الانزعاج.
- إعادة التقييم المعرفي أنجع من الكتم.* أي أن تغيير تفسيرك للموقف أنفع من إخفاء ما تشعر به. وقد أرسى Gross (1998) هذا التمييز في إطاره لتنظيم الانفعال، ويتكرر منذ ذلك الحين: الكتم يستهلك جهدًا ذهنيًا ولا يقلّل الشعور.
- الإنصات مهارة سلوكية قابلة للتعلّم.* لا تتطلب قدرة خاصة، بل عادات محدّدة: ألّا تقاطع، وأن تسأل قبل أن تنصح، وأن تعيد صياغة ما سمعته للتأكد.
والفرق العملي بين هذا وبين "تطوير ذكائك العاطفي" هو الفرق بين هدف قابل للتنفيذ وهدف لا تعرف متى بلغته.
الفروع الأربعة، وما يعنيه كل منها عمليًا
يستحق التعريف الأصلي أن يُفصّل، لأنه الجزء الذي يحمل مضمونًا قابلًا للعمل. وقد عاد Mayer و Salovey و Caruso (2008) إلى تحديده في أربعة فروع مرتّبة من الأبسط إلى الأعقد:
- إدراك الانفعال.* أن تلاحظ ما تشعر به وما يشعر به غيرك. وهذه ليست بديهية كما تبدو: كثيرون يلاحظون أنهم "ليسوا على ما يرام" دون أن يميّزوا هل هو غضب أم خوف أم إرهاق — وثلاثتها تستدعي تصرفًا مختلفًا.
- استخدام الانفعال في التفكير.* أن توظّف حالتك بدل أن تقاومها. المزاج المنخفض مثلًا يرتبط بتدقيق أعلى في التفاصيل، والمرتفع بتوليد أفكار أكثر — فاختيار المهمة المناسبة للحالة أنجع من انتظار حالة بعينها.
- فهم الانفعال.* أن تعرف من أين جاء الشعور وإلى أين يتّجه: أن الغيظ غالبًا خوف مُقنَّع، وأن الحزن المفاجئ قد يكون تراكمًا لا حادثة، وأن حدّة المشاعر تخفّ بمرور الوقت بلا تدخّل.
- تنظيم الانفعال.* أن تتصرف باختيار لا باندفاع، في نفسك ومع غيرك.
ولاحظ أن هذه أربع مهارات متمايزة، لا مقدار واحد. ويمكن أن يكون شخص بارعًا في قراءة الآخرين وسيئًا في تنظيم نفسه — وهذا شائع، ويضيع تمامًا في رقم واحد يُسمّى "معامل ذكاء عاطفي".
لماذا بقي المصطلح رائجًا إذن؟
سؤال وجيه: إذا كانت الأدلة بهذا التحفّظ، فما سبب الانتشار؟
لأن المصطلح يحلّ مشكلة حقيقية في اللغة. فقبله لم تكن هناك كلمة واحدة تجمع "من يحسن التعامل مع الناس وضبط نفسه"، وكانت الحاجة إلى مثلها قائمة في بيئات العمل. فسدّ المصطلح فراغًا لغويًا، وهذا وحده يكفي لرواجه.
ولأنه قابل للبيع كذلك. فسمة شخصية ثابتة نسبيًا لا يمكن تدريب الناس عليها في ورشة من يومين، بينما "مهارة" يمكن. وقد لاحظ Locke (2005) هذا البعد صراحةً في نقده.
وهنا يلزم تمييز عملي: ضعف الأدلة على اختبارات الذكاء العاطفي كأداة اختيار للوظائف لا يعني ضعف الأدلة على تدريب المهارات الانفعالية المحدّدة. فالأولى تحاول قياس كتلة غير محدّدة، والثانية تستهدف سلوكًا بعينه — والفرق بينهما كبير.
كيف تقرأ اختبار ذكاء عاطفي على الإنترنت؟
كلها تقريبًا تقرير ذاتي. ومعنى ذلك أمر واحد مباشر: هي تقيس رأيك في مهاراتك، لا مهاراتك.
وهذه ليست معلومة بلا قيمة — فتقديرك لنفسك مؤثّر في سلوكك. لكنها ليست ما يبدو أنها. ومن المفارقات المعروفة أن من يفتقر إلى مهارة ما يكون غالبًا أقل قدرة على ملاحظة افتقاره إليها، وهذا يسري على المهارات الانفعالية كما يسري على غيرها.
والاختبار المفيد لك هنا مختلف تمامًا، ولا يحتاج استبيانًا: اسأل شخصين يعرفانك عن قرب ويأمنان أن يصدقاك. "متى شعرت أنني لم أسمعك؟" سؤال يعطيك معلومة لا يعطيها أي مقياس.
ولفهم تنظيم الانفعال في موقف محدّد، راجع: كيف تتعامل مع الغضب؟
المصادر
- Salovey, P., & Mayer, J. D. (1990). Emotional intelligence. Imagination, Cognition and Personality, 9(3), 185–211.
- Joseph, D. L., & Newman, D. A. (2010). Emotional intelligence: An integrative meta-analysis and cascading model. Journal of Applied Psychology, 95(1), 54–78.
- O'Boyle, E. H., Humphrey, R. H., Pollack, J. M., Hawver, T. H., & Story, P. A. (2011). The relation between emotional intelligence and job performance: A meta-analysis. Journal of Organizational Behavior, 32(5), 788–818.
- Locke, E. A. (2005). Why emotional intelligence is an invalid concept. Journal of Organizational Behavior, 26(4), 425–431.
- Gross, J. J. (1998). The emerging field of emotion regulation: An integrative review. Review of General Psychology, 2(3), 271–299.
- Van Rooy, D. L., & Viswesvaran, C. (2004). Emotional intelligence: A meta-analytic investigation of predictive validity and nomological net. Journal of Vocational Behavior, 65(1), 71–95.
- Mayer, J. D., Salovey, P., & Caruso, D. R. (2008). Emotional intelligence: New ability or eclectic traits? American Psychologist, 63(6), 503–517.
تنبيه: اختبارات ومقالات المعرفة مخصّصة للترفيه والتأمل الذاتي، وهي ليست تشخيصًا نفسيًا أو طبيًا ولا تُغني عن استشارة مختص.